عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

2520

بغية الطلب في تاريخ حلب

فشغلني يا أمير المؤمنين الكف والمعصم عن رائحة القدور فبقيت باهتا ساعة ثم أدركني ذهني فقلت للخياط هو ممن يشرب النبيذ قال نعم وأحسب عنده اليوم دعوة وليس ينادم إلا تجارا مثله مستورين فإني لكذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب قال الخياط هؤلاء منادموه فقلت ما أسماؤهما وما كناهما فقال فلان بن فلان وأخبرني بكناهما فحركت دابتي وداخلتهما وقلت جعلت فداكما قد استبطأكما أبو فلان أعزه الله وسايرتهما حتى أتينا إلى الباب فأجلاني وقدماني فدخلت ودخلا فلما رآني معهما صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل أو قادم قدمت عليهما من موضع فرحب وأجلسني في أفضل موضع فجيء يا أمير المؤمنين بمائدة وعليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان فكان طعمها أطيب من ريحها فقلت في نفسي هذه الألوان قد أكلتها بقيت الكف أصل إلى صاحبتها ثم رفع الطعام وجئ بالوضوء ثم صرنا إلى منزل المنادمة فإذا أشكل منزل يا أمير المؤمنين وجعل صاحب المنزل يلاطفني ويقبل علي بالحديث وجعلوا لا يشكون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدمة وإنما ذلك الفعل كان منه لما ظن أني منهما بسبيل حتى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية يا أمير المؤمنين كأنها غصن بان يتثنى فأقبلت تمشي فسلمت غير خجلة وثنيت لها وسادة فجلست وأتي بعود فوضع في حجرها فجسته فاستبنت في جسها حذقها ثم اندفعت تغني : توهمها طرفي فأصبح خدها * وفيه مكان الوهم من نظري أثر فصافحها قلبي فآلم كفها * فمن مئتن قلبي في أناملها عقر فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي فطربت لحسن شعرها وحذقها ثم اندفعت تغني : أشرت إليها هل عرفت مودتي * فردت بطرف العين إني على العهد فحدت عن الإظهار عمدا لسرها * وحادت عن الإظهار أيضا على عمد